من الناظور إلى نانسي، ومن مقاعد الدراسة إلى ميدان السياسة المحلية، خط المهاجر المغربي في فرنسا محمد الغزالي مسارا استثنائيا حيث حول الغربة إلى فضاء للنجاح، والانتماء المزدوج إلى جسر للتواصل بين المغرب وأوروبا.
ولد محمد الغزالي في المغرب ونشأ في محيط أسري يصفه بأنه "دافئ وقائم على قيم راسخة"، قضى طفولته بين الناظور حيث تابع دراسته الابتدائية، وبركان في المرحلة الإعدادية، ووجدة في المرحلة الثانوية. وبعد حصوله على شهادة البكالوريا العلمية خلال السنة الدراسية 1988-1989، قرر شد الرحال إلى فرنسا لمتابعة دراساته العليا، مدفوعا بإرادة قوية للنجاح والانفتاح على آفاق جديدة.
يقول محمد في حديثه ليابلادي إن السنوات الأولى في فرنسا كانت "موسومة بالحنين، فقد افتقدت المغرب كثيرا، والداي، عائلتي، والشمس، الابتسامات وكرم الناس. غير أن هذه المسافة زادت من عزيمتي، من أجل المضي قدما بأكبر قدر من الثبات والمثابرة".

بعد حصوله على دبلوم الدراسات الجامعية العامة في الصيدلة، وسع تكوينه ليشمل القانون والاقتصاد والتجارة الدولية. وبموازاة مساره الجامعي، ولج مبكرا عالم التجارة، حيث اكتشف شغفه بعالم الأزياء النسائية. ويؤكد أن "هذا الشغف قادني بشكل طبيعي إلى تأسيس علامتي الخاصة "Côté Sud".
"علامة "Côté Sud" هي علامة للأزياء الجاهزة النسائية، تميزت بخط تصميم عصري وأنيق، أُسست في بدايات سنوات الألفين، وتم بيعها سنة 2005. وقد كانت هذه العلامة تُسوّق على نطاق واسع في مختلف أنحاء فرنسا وأوروبا".
لم يقتصر طموح محمد الغزالي على النجاح الفردي، بل انخرط في الحياة الاقتصادية المحلية، فالتحق في مطلع سنوات الألفين بالنقابة الإقليمية للتجار، ويقول "هذا الالتزام قادني إلى تولي رئاسة الفرع الإقليمي، ثم الرئاسة الجهوية، قبل أن أنضم إلى مجلس الإدارة والمكتب الفدرالي الوطني".
اهتمام بالعمل الجمعوي والرياضة والسياسة
وإيمانا منه بأهمية العمل الجمعوي في توطيد العلاقات بين الضفتين، أسس جمعية Meet France-Maroc بمدينة ستراسبورغ، التي يترأسها اليوم، كما ترأس جمعية Initiative France-Maroc، واضعا نصب عينيه هدفًا واضحًا "تشجيع الاستثمار في المغرب، ومواكبة المشاريع، وتنظيم ندوات اقتصادية وعلمية وثقافية ورياضية لتسليط الضوء على مؤهلات المملكة".

"الجمعيتان أُنشئتا بهدف تشجيع ومواكبة الأعمال بالمغرب، ودفع الاستثمار نحو المغرب. عملنا على تنظيم ننظم ندوات اقتصادية وعلمية لتسليط الضوء على المغرب، إضافة إلى تنظيم تظاهرات ثقافية ورياضية.
وأوضح أنه يحاول من خلال الجمعيتين "تعزيز الجسور بين البحث العلمي والابتكار وريادة الأعمال، وهيكلة مشاريع أوروبية-أفريقية ذات أثر ترابي قوي، الاستمرار في تنظيم لقاءات موضوعية تجمع كافة الأطراف المعنية"، مؤكدا أن "الابتكار يمثل أقوى وسيلة للتقارب بين القارتين بشرط أن يتم تفكيره وبناؤه وحمله بشكل مشترك".
اهتمامات محمد الغزالي تشمل أيضا المجال الرياضي، حيث تولى رئاسة الأكاديمية الدولية للجودو الفرنسي-المغربي، وقال "عقد شراكات مع الجامعة الملكية المغربية للجيدو والفنون القتالية والجامعة الفرنسية للجودو، بهدف النهوض برياضة الجودو المغربية وتعزيز حضورها دوليا".
"انطلاقًا من رغبتي في تعزيز علاقات قوية بين أوروبا وإفريقيا، أسست أيضا "بيت أوروبا إفريقيا" بمدينة نانسي، الذي أصبح مرجعا في مجالات التنمية الاقتصادية والصناعية والعلمية والثقافية والرياضية. وإلى جانب ذلك، أشغل منصب مندوب دائرة أوجين دولاكروا بجهة غراند إيست".
كما انفتح محمد الغزالي على العمل السياسي، حيث أسس حزبا سياسيا محليا حمل اسم Nancy'nov، سنة 2019، وقال قمت "بدمج الحزب لاحقا مع حزب الخضر لتشكيل تحالف مع الحزب الاشتراكي في الانتخابات، وكان الهدف من هذا الحزب إبراز مكانة الجالية المغربية على وجه الخصوص، والجاليات الأجنبية عموما".

ويشير إلى أنه في سنة 2020، قاده "هذا المسار إلى الانتخاب في بلدية نانسي، لأصبح منتخبا للجمهورية مكلفا بالشؤون الدولية، وهي المهمة التي أزاولها إلى اليوم. وقد عززت هذه التجربة السياسية الغنية تفكيري في كيفية الإسهام بشكل أعمق في تنمية بلدي الأصلي، المغرب، وردّ جزء مما قدّمه لي".
ويعترف الغزالي بأن مسار مسؤول سياسي من أصل مغربي في فرنسا ليس بالأمر السهل، غير أن المثابرة والجدية والعمل الدؤوب تظل، في نظره، مفاتيح النجاح الحقيقية. ويؤكد أنه لو أُتيح له أن يعيد التجربة، لفعل ذلك دون تردد.
وألمح محمد في حديثه مع موقع يابلادي إلى "تحضير التزام سياسي بالمغرب"، دون الكشف عن تفاصيله، مفضلا أن يتركه في خانة المفاجآت.


chargement...




